العاملي

192

الانتصار

وأما قوله : أقضاكم علي . فلم يروه أحد من أهل الكتاب الستة ، ولا أهل المسانيد المشهورة ، لا أحمد ولا غيره بإسناد صحيح ولا ضعيف . وإنما يروى من طريق من هو معروف بالكذب ، ولكن قال عمر بن الخطاب : أبي بكر ( كذا ) أقرؤنا وعلي أقضانا ، وهذا ما قاله بعد موت أبي بكر . . . وأما حديث : أنا مدينة العلم . فأضعف وأوهى ، ولهذا إنما يعد في الموضوعات المكذوبات ، وإن كان الترمذي قد رواه . ولهذا ذكره الجوزي في الموضوعات وبين أنه موضوع من سائر طرقه . والكذب يعرف من نفس متنه لا يحتاج إلى النظر في إسناده ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان مدينة العلم ، لم يكن لهذه المدينة إلا باب واحد ، ولا يجوز أن يكون المبلغ عنه واحدا ، بل يجب أن يكون المبلغ عنه أهل التواتر الذين يحصل العلم بخبرهم للغائب . . . وهذا الحديث إنما افتراه زنديق أو جاهل ظنه مدحا وهو مطرق الزنادقة إلى القدح في علم الدين إذا لم يبلغه إلا واحد من الصحابة . ثم إن هذا خلاف المعلوم بالتواتر فإن جميع مدائن المسلمين بلغهم العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير طريق علي رضي الله عنه ، أما أهل المدينة ومكة فالأمر فيهم ظاهر . وكذلك أهل الشام والبصرة ، فإن هؤلاء لم يكونوا يروون عن علي إلا شيئا قليلا ، وإنما غالب علمه كان في أهل الكوفة ، ومع هذا فقد كانوا تعلموا القرآن والسنة قبل أن يتولى عثمان فضلا عن خلافة علي ، وكان أفقه أهل المدينة وأعلمهم تعلموا الدين في خلافة عمر . وقبل ذلك لم يتعلم منهم من علي شيئا إلا من تعلم منه لما كان باليمن ، كما تعلموا حينئذ من معاذ بن جبل ، وكان مقام معاذ بن جبل في أهل اليمن